عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
290
اللباب في علوم الكتاب
يطلى به من الزّعفران ، ومنه قيل للقدح الذي يتناول به الماء : غمر ، وفلان مغامر إذا رمى بنفسه في الحرب ، إما لتوغّله وخوضه فيه ، وإما لتصوّر الغمارة منه . قوله : « وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ » [ جملة في محلّ نصب على الحال من الضمير ] « 1 » المستكن في قوله : « فِي غَمَراتِ » ، و « أيديهم » خفض لفظا ، وموضعه نصب أي : باسطو أيديهم بالعذاب يضربون وجوههم وأدبارهم وقوله « أخرجوا » منصوب المحل بقول مضمر ، والقول يضمر كثيرا ، تقديره : يقولون : أخرجوا ، كقوله : يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ [ الرعد : 23 ، 24 ] أي : يقولون : سلام عليكم ، وذلك القول المضمر في محلّ نصب على الحال من الضمير في « باسطو » . فإن قيل : إنه لا قدرة لهم على إخراج أرواحهم من أجسادهم ، فما الفائدة في هذا الكلام ؟ فالجواب : أن في تفسير هذه الكلمة وجوه : أحدها : ولو ترى الظّالمين إذ صاروا إلى غمرات الموت في الآخرة ، فأدخلوا جهنم ، وغمرات الموت عبارة عما يصيبهم هناك من أنواع الشّدائد والعذاب ، والملائكة باسطو أيديهم [ عليهم بالعذاب ] يبكّتونهم بقولهم : أخرجوا أنفسكم من هذا العذاب الشديد إن قدرتم . وثانيها : أن المعنى « وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ » عند نزول الموت في الدنيا ، والملائكة باسطو أيديهم لقبض أرواحهم يقولون لهم : أخرجوا أنفسكم من هذه الشّدائد ، وخلّصوها من هذه الآلام . وثالثها : « أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ » [ أي : أخرجوها إلينا ] من أجسادكم ، وهذه عبارة عن العنف والتشديد في إزهاق الروح من غير تنفيس وإمهال كما يفعل الغريم الملازم الملحّ ، ويقول : أخرج ما لي عليك السّاعة ، ولا أبرح من مكاني حتى أنزعه من أحداقك . ورابعها : أن هذه اللّفظة كناية عن شدّة حالهم ، وأنهم بلغوا في البلاء الشديد إلى حيث يتولّى بنفسه إزهاق روحه . خامسها : أنه ليس بأمر ، بل هو وعيد [ وتقريع ] « 2 » كقول القائل : امض الآن لترى ما يحلّ بك . قوله : « الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ » في هذا الظرف وجهان : أظهرهما : أنه منصوب ب « أخرجوا » بمعنى : أخرجوها من أبدانكم ، فهذا القول في الدنيا ، ويجوز أن يكون في يوم القيامة ، والمعنى خلّصوا أنفسكم من العذاب ، كما تقدّم ، فالوقف على قوله : « اليوم » ، والابتداء بقوله : « تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ » .
--> ( 1 ) في أ : خفض لفظا وموضعه نصب . ( 2 ) سقط في أ .